الشنقيطي
150
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الأخرى ، مع أن كلا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل : أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر ، وصدرا من خلافة عمر ، في مسألة تتعلق بالفروج ثم غيره عمر . ومن أجاز نسخ نكاح المتعة ، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة ، يقال له ما لبائك تجر وبائي لا تجر ؟ فإن قيل نكاح المتعة صح النص بنسخه . قلنا : قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث . وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة ، الإمام أبو داود - رحمه اللّه تعالى - ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر ، قال في سننه « باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث » ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ [ البقرة : 228 ] الآية . وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك ، وقال : الطَّلاقُ مَرَّتانِ [ البقرة : 229 ] الآية . وأخرج نحوه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد ، قال فيه ابن حجر في التقريب : صدوق يهم ، وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أنّه قال : كان الرّجل إذا طلّق امرأته ثمّ ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان ذلك له ، وإن طلّقها ألف مرّة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتّى إذا أشرفت على انقضاء عدّتها راجعها ، ثمّ قال لا آويك ولا أطلقك ، فأنزل اللّه الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ ، من كان طلّق منهم أو لم يطلّق . ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم ، وعلمهم ، وورعهم ، ويؤيده : أن كثيرا جدّا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك ، كابن عباس ، وعمر ، وابن عمر ، وخلق لا يحصى . والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث ، قال بعض العلماء : إنه قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ [ البقرة : 229 ] كما جاء مبينا في الروايات المتقدمة ، ولا مانع عقلا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر كما جهل كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر ، مع أنه صلّى اللّه عليه وسلم صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة ، في غزوة الفتح ، وفي حجة الوداع أيضا ، كما جاء في رواية عند مسلم . ومع أن القرآن دل على تحريم غير الزوجة والسرية ، بقوله : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ المؤمنون : 5 - 6 ] ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما يأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى في سورة النساء ، في الكلام على قوله تعالى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ [ النساء : 24 ] الآية . والذين قالوا بالنسخ ، قالوا في معنى قول عمر : « إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة » ، أن المراد بالأناة ، أنهم كانوا يتأنون في الطلاق فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد . ومعنى استعجالهم أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد ، على